أبي منصور الماتريدي

333

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

نفسها « 1 » للحج وإقامة العبادات ؛ دليله وجوه : أحدها : قوله : بَعْدَ عامِهِمْ هذا ولو كان لدخول المسجد ، لكان ذلك العام أحق عن المنع في دخوله من غيره . والثاني : [ قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ . والثالث : قوله : « ألا لا يحجن بعد العام مشرك » . وفي آخر الآية دلالة ذلك ؛ لأنه قال : ] « 2 » وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ، وخوف العيلة « 3 » إنما يكون عن دخول مكة ؛ لأنه لو كان النهي عن دخول المسجد نفسه ، لكان لا خوف عليهم في ذلك ؛ لأنهم يحضرون ويدخلون مكة للتجارة ، فلا خوف عليهم في ذلك . أو أن يقال : إنه ذكر المسجد الحرام ؛ لما أنهم كانوا يقصدون البيت والحج به ، فيكون النهي عن دخول المسجد نهيا عن الحج نفسه ، وهو ما روي في الخبر أنه بعث عليّا في الموسم بأربع ، وأمره أن ينادي في الناس ألا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله إلى مدته ، فإذا مضت مدته [ فإن الله ] « 4 » برئ من المشركين ورسوله ، ولا يطوفن بالبيت عريان ، ولا يحج بعد العام مشرك . فالنهي الذي ورد عن دخول المسجد إنما هو نهي عن الحج نفسه ؛ لأن البيت هو الذي يقصد إليه فيه . ألا ترى أنه قال : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ . . . الآية [ آل عمران : 97 ] ، وقال : فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ . . . الآية [ البقرة : 158 ] ، وقال : وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ، [ الحج : 29 ] ذكر البيت ، وهو المقصود بالحج في الإسلام والكفر جميعا ؛ فعلى ذلك خرج النهي ، لكنه ذكر المسجد ؛ لما أن البيت فيه . فإذا كان ما ذكرنا : فإن شئت فاجعل آخر الآية تفسير أولها ، وهو قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ، وهو ما ذكرنا أن النهي لو كان لدخول المسجد

--> ( 1 ) في ب : نفسه . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) يقال : عال يعيل عيلة فهو عائل ، أي افتقر ، ومنه قوله تعالى : وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى أي أزال عنك فقر النفس ، وجعل لك الغنى الأكبر المعني بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إنما الغنى غنى النفس » . وقيل : معناها : وجدك فقيرا إلى رحمته وعفوه فأغناك بما غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، ولا غنى أفضل من ذلك . ويقال : ما عال من اقتصد ، أي افتقر من سلك في نفقته القصد ، كقوله : لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا الآية [ الفرقان : 67 ] . ينظر : عمدة الحفاظ ( 3 / 176 ) . ( 4 ) في أ : فإنه .